عبد الملك الخركوشي النيسابوري

324

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

ضمّها إليك ، فقال : إني ضممتها يوما ، فهتف بي هاتف : ما ظننت أنّ في قلبك لغير اللّه عزّ وجلّ موضعا . وعن أبي العباس الهاشمي قال : كنت في بستان بالشام مضطجعا ملتفا بكساء على شاطئ نهر في البستان ، يصب ذلك النهر إلى رجا فهتف بي هاتف ، فرفعت طرفي فنظرت إلى ورق الشجر ، فقلت في نفسي من يحصى هذا ، فوقعت علىّ ورقة منها مكتوب عليها : اللّه الواحد القهّار ، فسقطت في النهر وأغمي علىّ ، ومدّنى الماء إلى الرجا ، وأتى أصحاب الرجا فأخرجونى ، وألقونى عنهم في الرجا بقيّة ليلتي ، فما أفقت إلى غد ذلك اليوم الظهر . وعن منصور المغربي قال : كان رجل بينه وبين الحرم عشرة أيام ، فنوى الحجّ وقطع ذلك في عشر سنين ، ثم وقف بالموقف ، فقال : أنا أعلم أنه لا تصلح هذه الحجّة لك ، فلا تنسني في حياتي ولا مماتي ، فهتف بي هاتف : قد قبلنا حج الجميع من أجلك . وقال سفيان الثوري : كان لي جار بالكوفة ، وكان يذهب مذهب التوكّل ، فخطر بباله المعيشة ، فقال لنفسه : يا نفساه من أين المأكل ؟ فعزم على اتخاذ الخوص ، فهتف به هاتف من وراء البيت : يا هذا الست توكّلت علينا فكفيناك ، والتجأت إلينا فآويناك ، وهربت منا فتركناك ، فإن رجعت إلينا قبلناك . وعن عبد الواحد بن زيد قال : رجعنا من بلاد الروم قافلين ، فبينا نحن برصافة هشام إذا نحن بهاتف يهتف من جو السماء ولا نراه وهو يقول : يا محفوظ ، يا مستور ، اعقل في ستر من أنت ، فإن لم تعقل في ستر من أنت ، فاعقل أن الدنيا حمى اللّه فاتقها ، فإن لم تعقل كيف تتقيها ، فاجعلها شوكة بين عينيك ، ثم انظر أين تضع قدمك منها . وقال الكتاني : وجدت ضعفا في بدني وحالي ، وفي يدي وفي رجلي ، فاعتقدت أن أدخل الطوافّ فأدعو ، فدخلت الطوافّ ، فإذا قوم يدعون بغرائب الدعاء ، فقطعنى قرب اللّه تعالى عن سؤاله ، ثم دعاني داع من نفسي إلى الدعاء ، فسمعت هاتفا يقول : بعد وجودك إيانا تسأل غيرنا . قال بعض المشايخ : كنت أقرأ على شيخ ، وكان على ساقه خدش ، وكان في أوقات يمد رجله ليستريح ، فإذا وقعت عينه على الخدش بكى ، فأطال البكاء فسألته يوما عن بكائه ، فقال : كنت أمشى بالليل فوقعت فأصابت رجلي خشبة فخدشتها فوضعت يدي عليها